جاء اختيار «الشاطر» ليكون رمزا لتجميع توافق وطنى عليه، فالرجل معروف بنضاله وجهاده وصلابته فى وجه الطغيان، فلم تلن له قناة وهو يواجه إرهاب مبارك قرار مجلس شورى الإخوان والهيئة البرلمانية لحزب الحرية والعدالة، الدفع بالمهندس خيرت الشاطر للترشح لرئاسة الجمهورية، أثار العديد من التساؤلات حول أسبابه ودوافعه، ومغزاه فى هذه اللحظات الحرجة، ولماذا عدلت الجماعة عن قرارها الذى أعلنته فى 10 فبراير 2011م قبل يوم واحد من تنحى المخلوع، واستمرت قيادات الجماعة والحزب التأكيد عليه حتى قبيل أيام من العدول عنه، وتبارى المشككون فى النوايا، ومسيئو الظن بكل شىء والمرجفون فى المدينة, وهواة الإثارة والضجيج وأصحاب الصوت العالى فى الإعلام التابع، فى إثارة الغبار على الجماعة ومصداقيتها، وشفافية اتخاذ القرار والثقة فيها، وخاض من خاض منهم فى الأشخاص والأعراض دون وازع من ضمير، أو التزام بخلق أو دين, مشككين فى النوايا والدين والوطنية والالتزام، مستخدمين قواميس من الألفاظ النابية والبذيئة والجارحة، متناسين أن هذا حق كفله القانون والدستور لأى مصرى تتوفر فيه شروط الترشح للرئاسة، ولأى جماعة أو حزب أو أى تجمع من المواطنين، وهذا ليس جديدا على مَن كانوا يسبحون بحمد المخلوع ويزينون له أفعاله الإجرامية، وكانت أقلامهم وأفواههم مسلطة على الوطنيين والشرفاء من أبناء الوطن.
من حق الجماعة وحزب الحرية والعدالة أن يراجع قراراته ويعدل عنها طبقا لمصلحة الوطنية، وليس من حق كائن من كان أن يملى على حزب أو جماعة شروطه أو رؤاه أو ينصب نفسه وصيا، أو محكما أو مانحا للصكوك، فجماعة الإخوان وحزب الحرية والعدالة لم يتدخلا يوما فى شئون أى شخص أو أى حزب فى اختيار ما يراه من سياسات أو قرارات، ومن يدعون اليوم إلى «التوافق الوطنى» و»التجمع» هم أول من شقوا صف الجماعة الوطنية، ورفضوا أيدى الجماعة التى مدت لهم بعد الثورة بدءا من تشكيل قوائم ائتلاف وطنى لخوض الانتخابات، أو أى تحرك جماعى يتفق عليه الجميع، وهؤلاء أنفسهم أو جلهم الذين كانوا «خدما» لصفوت الشريف ويتحركون بإشارة من أصبعه، ومواقفهم مسجلة ومعروفة، ومنهم من تورط فى جرائم تزوير الانتخابات، ومنهم من شارك فى تبرير سياسات القمع والإقصاء.
جماعة الإخوان لم ولن تساوم يوما على مبادئها وثوابتها التى قامت عليها، ودفعت الثمن غاليا عبر تاريخها الطويل الذى تجاوز الثمانية عقود، والذى كسبت بها مصداقية الناس وثقة الشعب، الذى شرّف حزبها ورموزها ومن تدفع بهم للترشح فى انتخابات تشريعية أو مهنية أو عمالية أو خدمة عامة بالثقة؛ لأن الشعب يثق بمن معه ويعايش همومه، ويتبنى قضاياه، لا من يجلسون فى أبراج عاجية، ويناضلون من عبر الفضائيات، ويتنقلون بين استديوهات برامج «التوك شو» أو يكتبون وهم فى أبراج عاجية.
وأعتقد جازما أن لدى قيادات الإخوان الكثير من التفاصيل و»الأسرار» التى دفعتهم لاتخاذ قرارهم التاريخى بالعدول عن الترشح، والدفع بشخصية لها مكانتها وميراثها الجهادى الطويل للترشح للرئاسة، وسوف يضطرون لإعلان «بعض» منها ليضعوا الجميع أمام مسئولياتهم.
لقد أكد المرشد العام للإخوان المسلمين أن قرار الدفع بمرشح للجماعة لم يعرض إلا على اجتماع الشورى الطارئ الأخير، وفى نفس يوم الاجتماع، ولم يتخذ إلا فى نفس اليوم، وأنهم كانوا متمسكين حتى آخر لحظة بالوعد الذى قطعوه على أنفسهم بالامتناع عن المنافسة على هذا المنصب، فما الذى تغير؟
الجماعة أوردت فى بيانها الذى أعلنته فى المؤتمر الصحفى عقب اجتماع مجلس الشورى، كانت مبررا للعدول عن قرارها السابق، وفى مقدمتها إصرار «المجلس العسكرى» على التمسك بحكومة الجنزورى الفاشلة، وتحدى قرار البرلمان بسحب الثقة منها، وهو الذى يعنى «حرق مجلس الشعب» أمام مَن انتخبوا نوابه ومن أولوهم ثقتهم، ووضعوا آمالهم عليهم فى حل مشاكلهم، فإذا بحكومة تتفنن فى صنع الأزمات والمشاكل لا حلها، فمن أزمة البوتاجاز إلى أزمات البنزين والسولار ورغيف العيش، والانفلات الأمنى غير المسبوق, وعدم اتخاذ أى خطوة مهمة لتطهير الداخلية من رجال الإرهابى القمعى حبيب العدلى، إضافة إلى التهديد الذى لم يعد سرا بحل مجلسى الشعب والشورى، واللعب بورقة «الطعون» المنظورة أمام الإدارية العليا، والتلويح أنها فى «الدرج» وممكن إخراجها فى أى وقت، وتأليب «بعض» القوى الليبرالية واليسارية التى عاشت وتربّت فى حضن الأنظمة الديكتاتورية الفاسدة، على البرلمان المنتخب، ودعوته للانقلاب على الشرعية، وكما جاء على لسان رئيس حزب يسارى فى حوار تليفزيونى «اللى شبكنا يخلصنا» فى تحريض سافر للعسكر على البرلمان.
ولكن كل المبررات التى أوردها بيان «الإخوان» فى جانب، وما حدث مع أعضاء اللجنة التأسيسية للدستور فى جانب آخر؛ حيث مارست جهات قوية ومؤثرة ضغوطا هائلة على أعضاء وجهات مثلت بأعضاء فى لجنة الدستور، مما دفعها تحت هذه الضغوط إلى الانسحاب من اللجنة، لإحراج مجلسى الشعب والشورى ووضعهما «على المحك»، وقد يكون هذا رد فعل مباشر على المحاسبة القاسية من أعضاء البرلمان للوزراء «الإكسبير» فى حكومة الجنزورى الذين باتوا يخشون الذهاب للبرلمان.
وما قاله الشاعر الكبير فاروق جويدة -والمعروف بصراحته وصلابته- يكشف بجلاء هذه الضغوط على أعضاء اللجنة التأسيسية للدستور، فقال جويدة: «تعرضت لضغوط شديدة للانسحاب من اللجنة التأسيسية، ورفضت؛ لأنه ضعف، فالحوار هو الحل الوحيد للتغلب على صعوبات المرحلة؛ لأن الانقسامات ستؤدى بنا فى النهاية إلى خسارة مكاسب الثورة».
والضغوط نفسها التى صمد أمامها الشاعر الكبير، قد تكون هى السبب - أيضا- التى دفعت الخبير الاقتصادى بمركز البحوث السياسية والإستراتيجية بجريدة الأهرام الدكتور أحمد النجار أن يعدل عن رأيه فى الاستمرار فى عضوية تأسيسية الدستور ويستقيل، بعد ساعات قليلة من تأكيده أنه سوف يستمر فى اللجنة، فقد قال النجار -طبقا لـ»بوابة الأهرام»-: «إنه فضل الاستمرار فى اللجنة التأسيسية للدستور، وإنه كان أمام خياران، الأول هو الانسحاب تضامنا مع أحزاب التجمع والكرامة والديمقراطى الاجتماعى والمصريين الأحرار وغيرها من الأحزاب التى وافقت على دخول اللجنة، وعندما جاءت الانتخابات فى غير صالح بعض رموز ممثلى تلك الأحزاب، قررت الانسحاب، رغم أن تلك الأحزاب لم ترشحنى للجنة، والثانى الاستمرار فى اللجنة وطرح التصور الذى يحمى الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، ويحقق هدف العدالة الاجتماعية».
ولم تمض أكثر من ساعتين على بيانه حتى جاء تصريحه الخاص لنفس الموقع بالانسحاب، وهو الذى يكشف لنا أن هناك «جهة» أو «تنظيما» يمارس ضغوطا رهيبة لإفشال عمل اللجنة التأسيسية للدستور، ناهيك عن الصخب الإعلامى الذى أخرج «الفلول» من الجحور ليقولوا فى اللجنة ما لم يقله مالك فى الخمر؟
والأمر الثانى الذى دفع الإخوان للتعجيل بعقد «مجلس شورى الجماعة» وهو استشعار الجماعة بالخطر الشديد على الثورة بعد إعلان أحد كهنة النظام السابق والمعروف بتاريخه السيئ والقمعى الذى كان يد مبارك الطولى فى البطش، الترشح للانتخابات، ولقائه مع «حشد من الفلول» الذى رأوا فيه «رمزا» -كريها- لهم للعودة للسلطة، وإعادة استنساخ نظام مبارك، ومن هنا كان لا بد من اتخاذ قادة الجماعة وحزب الحرية والعدالة «المبادرة» فى اتخاذ قرار حاسم لقطع الطريق أمام هذه الشخصية القمعية من العودة للأضواء والسلطة؛ لأنه ببساطة يعنى نهاية الثورة.
وجاء اختيار «الشاطر» ليكون رمزا لتجميع توافق وطنى عليه، فالرجل معروف بنضاله وجهاده وصلابته فى وجه الطغيان، فلم تلن له قناة وهو يواجه إرهاب مبارك، ولم يضعف وهو تصادر جميع ممتلكاته، ولم يهرب من الميدان، وهو يزوج بناته من خلف القضبان، وتظل محاكمات «الشاطر» وكلماته المدوية فى وجه الطاغية ونظامه فى وقت لم يكن أحد يجرؤ أن يتفوه بها، نبراسا لكل حر ومناضل شريف فى مواجهة القهر والطغيان.
فأعتقد أن «خيرت» هو الرجل الذى يجب أن نلتف حوله جميعا فى هذه المرحلة دون النظر إلى انتمائه أو اتفاقنا أو اختلافنا معه فى الرأى، فتاريخه هو الذى يقدمه لنا كمرشح للرئاسة مع احترامنا لجميع المرشحين للرئاسة

